سيد محمد طنطاوي
257
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كما حكى - سبحانه - ما يقولونه لخزنة جهنم على سبيل الاستعطاف والتذلل فقال : وقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ . قالُوا أَولَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ . 9 - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، لكي يشكروه عليها ، ومن تلك النعم : إيجاده الليل والنهار ، وجعله الأرض قرارا والسماء بناء ، وتصويره الناس في أحسن تقويم ، وتحليله لهم الطيبات ، وخلقه لهم في أطوار متعددة . قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ، ومِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ، ولِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . 10 - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الذين يجادلون في آيات اللَّه بغير علم ، فوبختهم على جهالاتهم وعنادهم ، وهددتهم بسوء المصير ، وأمرت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يصبر على أذاهم ، وذكرته بأحوال الرسل السابقين مع أقوامهم ، وأنذرت مشركي مكة بأن مصيرهم سيكون كمصير المشركين من قبلهم ، إذ ما استمروا في طغيانهم وكفرهم ، وأنهم لن ينفعهم الإيمان عند حلول العذاب بهم . قال - تعالى - : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّه وَحْدَه ، وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ، سُنَّتَ اللَّه الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِه وخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ . 11 - هذا ، والمتدبر في سورة « غافر » بعد هذا العرض المجمل لآياتها يراها قد أقامت أنصع الأدلة وأقواها على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، كما يراها قد ساقت ألوانا من التسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما لحقه من قومه ، تارة عن طريق قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم ، وتارة عن طريق التصريح بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه ، كما في قوله - تعالى - : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ . كما يراها قد فصلت الحديث عن تكريم اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين ، تارة عن طريق استغفار الملائكة لهم ، وتضرعهم إلى خالقهم أن يبعد الذين آمنوا عن عذاب الجحيم . قال - تعالى - : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، ويُؤْمِنُونَ بِه ، ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً ، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . وتارة عن طريق وعدهم بإجابة دعائهم ، كما في قوله - تعالى - : وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ .